فخر الدين الرازي
59
شرح عيون الحكمة
ورابعها : هو أن هذه الأحياز مشار إليها بالحس . ومقصود إليها بالحركة . فان الجسم إذا انتقل من حيز إلى حيز ، فأحد ذينك الحيزين مطلوب ، والآخر مهروب . وذلك أيضا في العدم المحض محال . فالحس كيف يسير إلى العدم المحض ؟ فثبت بهذه الوجوه : أن الخلاء الصرف أبعاد موجودة . وإذا ثبت هذا ، بطل الفرق الذي ذكره المتكلمون وجزى الدليل المذكور في تناهى الخلاء . والوجه الثاني في بيان أن الفرق الذي ذكره المتكلمون فاسد : هو أن نقول : هب أن هذا الخلاء عدم محض ، لكنكم مع ذلك تصفونه « 6 » بأنه غير متناه ، و ( تصفونه ) بالصغر والكبر ، وتحكمون عليه بالمساحة والمقدار وتشيرون اليه بالحس . نقول : ان كونها معدومة ، لما لم يمنع من وصفها بهذه الأوصاف ، فكذا كونها معدومة وجب أن لا يمنع من وصفهما بصحة التطبيق بحسب المراتب . وإذا كان الأمر كذلك ، فحينئذ يجرى هذا الدليل فيه . فثبت أن الذي ذكره المتكلمون من الفرق بين الخلاء والملاء فاسد . أما قوله : ولا عدد له ترتيب في الطبع . فاعلم : أن الأجسام والأبعاد أمور يحصل فيها ترتيب في الوضع . وأما العدد الذي يحصل فيه ترتيب في الطبع ، فهو إشارة إلى العلل والمعلولات . ونحن قد بينا أن هذا الدليل انما يتم في هذين الوضعين . فأما العدد الذي لا يحصل فيه ترتيب لا في الوضع ولا في الطبع . فهذا الدليل لا يجزئ فيه . وأما قوله . لا يجوز أن يكون ذلك موجودا بالفعل . فالمراد : أن البرهان المذكور انما يجرى في أعداد موجودة بالفعل . فأما ما لا يكون كذلك ، فهذا الدليل لا يجزئ فيه . وهو احتراز عن الحركات الماضية والدة الماضية والمدة المستقبلة ومراتب التضعيفات ومراتب الأعداد . وبالجملة : فأكثر الأمور التي أوردناها في السؤال ، أجبنا « 7 » عنها بأنها أمور غير موجودة في الأعيان .
--> ( 6 ) تصفون : ص . ( 7 ) وأجبنا : ص .